تأتي الخطوة الصينية الأخيرة، المتمثلة في إعلان وزارة الخارجية عن عزم بكين إرسال مبعوث خاص إلى دول الشرق الأوسط والمناطق المجاورة، وفي مقدمتها القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لتعكس تحولاً عميقاً في الاستراتيجية الدولية للعملاق الآسيوي. فبعد عقود طويلة قضتها الصين في التركيز الداخلي وبناء قدراتها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية، بعيداً عن الانخراط المباشر في أزمات العالم المعقدة، ها هي تخرج بثقل رسمي كامل إلى الساحة الدولية للتأثير المباشر في صياغة السياسة الخارجية العالمية.
ويُمثّل هذا التحرك امتداداً للعمق الدبلوماسي الذي يقوده المبعوث الصيني الحالي لشؤون الشرق الأوسط، الدبلوماسي المخضرم تشاي جيون (Zhai Jun)، الذي يشغل المنصب منذ سبتمبر 2019 ويكرّس مفهوم «الدبلوماسية الهادئة». ويمتلك جيون ثقلاً كبيراً وخبرة ممتدة لعقود في ملفات المنطقة؛ فهو يتقن اللغة العربية تماماً بعد دراسته في جامعة القاهرة، مما يمنحه قدرة استثنائية على التواصل المباشر وفهم الثقافة السياسية والاجتماعية في العالم العربي. كما يستند إلى مسيرة وظيفية رفيعة، بدءاً من إدارة ملف المنطقة في وزارة الخارجية عام 2003، مروراً بعمله سفيراً لبلاده في ليبيا ثم فرنسا، وصولاً إلى شغله منصب نائب وزير الخارجية (2009-2014)، وهو ما يمنحه مرونة ومكانة تتيحان له التفاوض المباشر مع القادة وصنّاع القرار.
إن هذا التحرك الذي يقوده تشاي جيون لا ينفصل عن المتغيرات الجيوسياسية الراهنة، التي تؤشر إلى تراجع زمن الأحادية القطبية التي انفردت بها الولايات المتحدة لعقود، وتؤكد أن العالم يتجه بخطى ثابتة نحو التشاركية وتعدد الأقطاب. ولم يعد الدور الصيني يقتصر على التحفظ، بل بات يتجسد في الجولات المكوكية المكثفة التي يقودها المبعوث الصيني، كما جرى في جولاته في الخليج ومصر ولقاءاته الأخيرة مع المسؤولين السعوديين في بكين، بهدف تغليب لغة الحوار والمفاوضات للتوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار، في ظل تصاعد حدة الصراعات الإقليمية وامتداد تداعياتها الأمنية والاقتصادية إلى حركة الملاحة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويكتسب تحرك جيون أهمية استثنائية بالنظر إلى موقع إيران ودول الخليج العربي في قلب التوازنات الأمنية والاقتصادية العالمية؛ إذ يستند المبعوث الصيني في قدرته الإقناعية إلى الشراكة الاقتصادية الضخمة التي تربط الصين بطرفي الخليج وإيران، باعتبار الصين المشتري الأول للنفط الإيراني والشريك التجاري الأكبر لدول المنطقة. وبالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الإقليمية التي شهدتها طهران بمشاركة مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان، واللقاءات الصينية الجيبوتية، يسعى تشاي جيون، عبر نهج متوازن يدعو إلى حماية الممرات الملاحية في مضيق هرمز والبحر الأحمر واحترام سيادة الدول، إلى الدفع باتجاه التهدئة ومواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، والحيلولة دون انفراد الولايات المتحدة برسم مجريات الأحداث، مؤكداً حضور الصين بوصفها فاعلاً رئيسياً في رسم معادلة التوازن الدولي الجديدة.



